معوقات في طريق العلم الشرعي
للشيخ صالح بن غانم السدلان
من
المعوقات في طريق العلم الشرعي : تـرك العمـل
بالعـلم :
ترك
العمل بالعلم يكون على قسمين :
الأول
: ترك الائتمار بالواجبات
الشرعية ، وترك الانتهاء عن المحرمات ، وهذا
كبيرة من الكبائر ، وعليه تُحمل الآيات
والأحاديث المتوعدة مَن تركَ العمل بالعلم .
الثاني:
ترك المستحبات والوقوع في المكروهات ، وهذا
يذم لما ورد في الوعيد لمن وقع فيه ، يقول ابن
الجوزي – رحمه الله - : " والمسكين كل
المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ؛
ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة ، فقدم
مفلسا مع قوة الحجة فيه ، فالعملُ بالعلم
مدعاةٌ لحفظه وثباته ، وعدمُ العمل به مدعاةٌ
لضياعه ونسيانه "
ومن
المعوقات أيضا : الاعتماد على الكتب دون
العلماء :
يرى
بعض من أفاء الله عليه من العلم من نفسه قدرة
على أخذ العلم من بطون الكتب ، دون الرجوع إلى
العلماء في توضيح عباراته وحل مشكلاته ؛ وهذا
داء عُضال ابتلينا به ، قال الإمام الشافعي –
رحمه الله - : " من تفقه من بطون الكتب ضيّع
الأحكام ".
ومن
المعوقات في طريق العلم الشرعي : أخذ العلم
عند الأصاغر:
وهذه
ظاهرة فشت ، وهي أن كثيراًَ من طلاب العلم
يأخذونه من صغار الأسنان وهو داء عُضال ؛ لأن
أخذ العلم عن صغار الأسنان الذين لم ترسخ لهم
قدم في العلم ولم تَشِب لحاهم فيه مع وجود من
هو أكبر منهم سناً وأرسخ قدما يُضعف أساس
المبدأ ، ويحرمه من خبرة العلماء المشهود لهم
بالعلم والفضل ، واكتساب أخلاقهم التي قوّاها
العلم والزمن ،
يقول
ابن مسعود – رضي الله عنه – " لا
يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم
وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم
وشرارهم هلكوا " .
وذهب
ابن قتيبه – رحمه الله – إلى أن الصغار صغار
الأسنان ، فقال عن أثر ابن مسعود : " يُريد
: لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ،
ولم يكن علماؤهم الأحداث ؛ لأن الشيخ قد زالت
عنه متعة الشباب وحدّته وعجلته واصطحب
التجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه
الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به
الطمع ، ولا يستزلّه الشيطان استزلال الحدث ؛
فمع السن الوقار والجلال والهيبة ، والحدث قد
تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ
فإذا دخلت عليه وأفتى هلك و أهلك " .
وعن
عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : "
قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم ، إذا جاء
الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير ،
وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير
فاهتديا " .
وعن
أبي الأحوص عن عبدالله – رضي الله عنهما –
قال : " إنكم لن تزالوا بخير
ما دام العلم في كباركم ، فإذا كان العلم في
صغاركم سفّه الصغير الكبير "
وهذا
الحكم ليس على إطلاقه فقد أفتى ودرس جمع من
الصحابة والتابعي في صغرهم بحضرة الأكابر
،فإذا وجد الصغير وظهرت رصانته في العلم ،
وأُمنت منه الفتنه : فليؤخذ عنه ، فمن أراد
العلم من منابعه الأصلية فهاؤم العلماء
الكبار الذين شابت لحاهم وذبلت قواهم
فليلزموهم قبل أن يفقدوهم .
إننا
في زمان اختلّ فيه معيار كثير من العامة في
تقييم العلماء ، فجعلوا كل من وعظ موعظة بليغة
، أو ألقى محاضرة هادفة ، أو خطب مرتجلا يوم
الجمعة ، عالماً يُرجع إليه في الإفتاء !!
ويُؤخذ عنه العلم !
وهذه
ظاهرة مزرية ؛ فليحذر طالب العلم من أخذ العلم
عن هؤلاء ، وعدم رفعهم إلى منازل العلماء .
ومن
المعوقات في الطلب أيضا : عدم التدرج في أخذه :
والتدرج
سنة من سنن الله في الكون ، مُخالفتها في باب
العلم الشرعي : باب شر كبير ، وضلال مستطير .
ومن
المعوقات في طريق العلم الشرعي : الغرور
والعُجب والكبر :
معصية
الله تعالى عائقة عن نيل العلم الشرعي ؛ لأن
العلم نور من الله يقذفه في قلوب من شاء من
عباده ، ولا يجتمع في قلب نور وظلمة ، ولذا
يقول ابن مسعود – رضي الله عنه - : " إني
لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب
يعمله " . ويرحم الله الإمام الشافعي
حيث قال :
شكوت
إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك
المعاصي
وأخبرني
بأن العلم نـــور ونور
الله لا يُهــدى لــعاصي
قال
في( تهذيب الإحياء) : " من
أعظم الآفات وأغلب الأدواء : الكبر بالعلم ،
وأبعدها عن قبول العلاج ؛ ذلك لأن قدر العلم
عظيم عند الله ، عظيم عند الناس ، وهو أعظم من
قدر المال والجمال وغيرهما " .
فيجب
على طالب العلم أن يعلم أن حجة الله على أهل
العلم آكد ، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل
عُشرُه من العالم ، فإن من عصى الله عن معرفة
وعلم فجنايته أفحش ؛ إذ لم يقض نعمة الله عليه
في العلم .
ومن
المعوقات في طريق العلم الشرعي : استعجــــال
الثمر :
بعض
الناس يظن أن العلم لقمة سائغة ، أو جرعة عذبة
، سرعان ما تظهر نتائجها ، وتتبين فوائدها ،
فيأمل في قرارة نفسه أنه بعد مضي سنة - أو أكثر
أو أقل - سيصبح عالما نحريرا لا يُشق غباره ولا
يُدرك شأوه !
وهذه
نظرة خاطئة وتصور فاسد وأمل كاسد ، أضراره
وخيمة ، ومفاسده عظيمة ؛ إذ يُفضي بما لا تحمد
عقباه من القول على الله بغير علم ، والثقة
العمياء بالنفس ، وحب العلو والتصدر ، وغالبا
ما ينتهي مطافه إلى هجر الانتساب للعلم وأهله
، لأن العلم بعيد المرام لا يُصاد بالسهام ولا
يرى في المنام ولا يدركه إلا من اعتضد الدفاتر
وحمل المحابر وقطع القفار وواصل في الطلب
الليل والنهار .
ومن
العوائق في طلب العلم الشرعي : دنـــوُّ
الهمّـــــة :
من
الطلاب من هو قليل البضاعة يكتفي بقليل من
الأحاديث ولا يتعداها ، وبضع آيات من القرآن
لا يبرحها ، بضاعته في العلم قليلة ، قد قعدت
به همّتُه فمحقت مواهبه ، وأزالت بهاء نبوغه ،
يقنع بيسير من المعلومات ويأنف من القراءة
والمطالعة ، ويتشاغل عن الطلب والتحصيل ،
قال
الفراء – رحمه الله -: " لا
أرحم أحدا كرحمتي لرجلين : رجل طلب العلم ولا
فهم له ، ورجل يفهم ولا يطلب ! وإني لأعجب ممن
في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم "
فينبغي
للعاقل ألا يبغي بالعلم بدلا ، ومن أنس في
نفسه النبوغ والذكاء لا يتشاغل بسواه أبدا ،
وإلا فما أشد خسارته ! وما أعظم مصيبته !
على
طالب العلم أن يتحلى بالصبر والجد والمثابرة
، وبهذا السبيل يستطيع التحصيل ، فمن طلب شيئا
وجدّ وجد ، ومن قرع الباب ولجّ ولج ، وبقدر ما
تتعنّى تنال ما تتمنى .
وبقدر
الكد تكتسب المعـالي ومن
طلب العلا سهر الليالي
تروم
العـز ثـم تنام ليـلا يغوص
البحر من طلب اللآلي
وقد
قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله ؟ قال :
" بنفي الاعتماد ، والسير في
البلاد ، وصبر كصبر الجماد ، وبكور كبكور
الغراب " .
والمثابرة
على طول طريق التعلم عنوان الهمة .
ومن
عوائق طلب العلم الشرعي : التسويف والتمني :
قيل
لبعض الحكماء : من أسوأ الناس حالا ؟ قال : " من
بَعُدت همته ، واتسعت أمنيته ، وقصرت آلته ،
وقلت مقدرته ، فليدع الأماني الكاذبة ،
والخيالات الكاسدة وأحلام اليقظة التي تضيّع
الوقت وتطيش في الميزان " . انتهى