|
الوقت في القرآن الكريم نبّه القرآن الكريم على أهمية الوقت كثيراً في سياقات مختلفة وبصيغ متعددة منها الدهر، الحين، الآن، اليوم، الأجل، الأمد، السرمد، الأبد، الخلد، العصر... وغير ذلك من الألفاظ الدالة على مصطلح الوقت والتي بعضها له علاقة بالعمل وطرقه، وبعضها له علاقة بالإدارة وتنظيمها، وبعضها له علاقة بالكون والخلق، وبعضها يرتبط بعلاقة الإنسان بربه من حيث العقيدة والعبادة، وقد تَلمَّس الباحث ذلك من خلال ما يلي: أولاً: الوقت من أصول النعم إن نعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، قال جل شأنه: [وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا].(1) ومن أَجَلِّ النعم وأعظمها نعمة الوقت، الذي هو من أصول النعم، فالوقت هو "عمر الحياة، وميدان وجود الإنسان، وساحة ظله وبقائه ونفعه وانتفاعه، وقد أشار القرآن إلى عِظمِ هذا الأصل في أصول النعم، وألمح إلى عُلوّ مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن ورفيع قدره وكبير أثره".(2) يقول الله عز وجل في معرض الامتنان وبيان عظيم فضله على الإنسان: [وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ].(3) "فامتن سبحانه في جلائل نعمه بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي نتحدث عنه ونتحدث فيه ويمر به هذا العالم الكبير من أول بدايته إلى نهاية نهايته".(4) قال تعالى مؤكداً امتنانه علينا بهذه النعم: [وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ].(5) فهذه المخلوقات العظيمة والآيات الباهرة مسخرة من لدن خالقها ومدبر أمرها لخدمة الإنسان ومنفعته. وقال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا](6) أي يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب هذا جاء الآخر(7) فما فات الإنسان من العمل في أحدهما يدركه في الآخر. كما وصف نفسه سبحانه بأنه مالك الزمان والمكان وما يحل فيهما من زمانيات ومكانيات فقال: [وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ](8) أي "له جل وعلا ما استقر في الليل والنهار، وهو المالك لكل شيء".(9) ثانياً: القسم بالوقت ورد التنبيه في القرآن الكريم إلى عظم الوقت بأن أقسم الله به في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، ومن ذلك قوله عز وجل: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ](10) وقوله: [وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى](11) وقوله: [وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ](12) وقوله: [وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ](13)وقولـه: [وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ](14) وقوله: [وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى](15) وقوله: [فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ] (16) فنلاحظ من الآيات السابقة أن الله عز وجل أقسم بالوقت (العصر) الذي هو الدهر والزمان، كما أقسم ببعض أجزائه، فالليل صنو النهار والفجر أول النهار والشفق أول الليل والضحى ما بين الغدو والزوال، ولله سبحانه أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، قال الفخر الرازي في تفسير قول الله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ] "إن الدهر والزمان في جملة أصول النعم فلذلك أقسم الله به - ولأن الزمان والمكان هما أشرف المخلوقات عند الله - كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته".(17) ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: "من المعروف لدى المفسرين، وفي حس المسلمين، أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، فذلك ليلفت أنظارهم إليه، وينبههم على جليل منفعته وآثاره ".(18) |
|
كتاب إدارة الوقت رؤية إسلامية
موقع إسلاميات أون لاين